هلْ ستجرفُ سيولُ جُدَّةَ الفساد؟
غرقتْ مدينةُ جُدَّةَ بالسّيولِ في يومِ التَّرويةِ منْ عامِ 1430؛ ونتجَ عنْ هذهِ الأمطارِ وفياتٌ كثيرة، وفقدانُ آخرين، وأضرارٌ بالغةٌ بالممتلكاتِ العامَّةِ والخاصَّة، إضافةً إلى اضطرابٍ في الحركةِ المروريةِ وانقطاعِ الخدماتِ في المناطقِ المتضَّرِّرة، وهذا المشهدُ الفاجعُ جاءَ على إثرِ أمطارٍ لا إعصارٍ وهو ما يُثيرُ الاستغرابَ حسبما أشارَ بيانُ الدِّيوانِ الملكي. وتفاعلاً معْ هذا الأمرِ أصدرَ الملكُ عبدُ الله-وفقه الله لاجتثاثِ الفساد- بياناً فريداً منْ نوعهِ وغيرَ معهودٍ منْ ذي قبل؛ وقدْ احتوى البيانُ على لغةٍ صارمة، ولهجةٍ حازمة، ونبرةٍ حزينةٍ أليمة، وبموجبه تألَّفتْ لجنةٌ عُليا للتَّحقيقِ والتَّقصي لمعاقبةِ كلِّ مسؤولٍ عنْ كارثةِ جدَّة كائناً مَنْ كانَ طبقاً للبيانِ الملكي، ولمْ يغفلْ البيانُ عنْ عوائلِ شهداءِ الغرق-نحسبهم كذلك- والمتضَّريينَ منْ سيولِ السَّاعاتِ السِّتِّ فعادَ عليهمْ بالتَّعويضِ المادِّي ووعدَهم بالتَّعويضِ المعنوي ضدَّ أيِّ متهاونٍ أوْ مخطئ. وإنَّ المنكوبينَ معْ باقي أبناءِ الشَّعبِ لينتظرونَ ويأملونَ أنْ يكونَ البيانُ الملكيُ المتأثرِ جداً بحادثةِ جدَّةَ بدايةَ عهدٍ جديدٍ منْ الإصلاحِ الفعلي، وتطبيقٍ جادٍّ للأنظمة، ويجأرونَ للعليمِ ألاَّ ينتهيَ التَّحقيقُ بأكباشِ فداءٍ فقطْ دونَ تأسيسٍ لنمطٍ مختلفٍ من المسؤوليةِ والعملِ والتقييم. وقدْ سبقتْ مواقعُ النتِ إلى رصدِ هذهِ الفاجعةِ ونقلِها للمشاهدِ الذي لمْ يصدِّقْ وصفَ وكالةِ الأنباءِ السُّعوديةِ للحدثِ بأنَّه عابرٌ وأنَّ المواطنينَ فرحوا بالمطر! وتتابعتْ الصُّورُ الثَّابتةُ والمتحرِّكةُ لمناظرِ الغرقِ والدَّمارِ والهلعِ التي لمْ نعهدْها في بلادِنا الغالية، واتَّخذتْ بعضُ المواقعِ صورةَ فتاةٍ صغيرةٍ ماتتْ غرقاً بالماءِ والوحلِ تعبيراً رمزياً عنْ مأساةِ جدَّة، فاللهمَّ تقَّبلْ الغرقى في الشهداء، واعدْ المفقودين، واخلفْ على المتضَّررينَ خيراً، وعجِّلْ –يا جبَّارُ- بحسابِ كلِّ آثمٍ مقَّصِّرٍ واجعلْه عبرةً لمنْ خلَفه. وإنَّ لله -سبحانه- حكمته فيما قضى ودَّبر، ولا نملكُ إلاَّ الاسترجاعَ والحمدَ والدُّعاء، وتذكيرَ أنفسِنا وإخوانِنا بالتَّوبةِ والالتجاءِ إلى الله، وعسى أنْ تكونَ جدَّة -التي قيلَ عنها مراراً بأنَّها غير- خيراً على البلادِ وأهلِها بجرفِ المفسدينَ منْ طريقِ الإصلاحِ، واقتلاعِ الفسادِ بجميعِ صورهِ منْ البيئةِ المحليةِ الرَّسميةِ والشَّعبية، وماهذا بصعبٍ على أهلِ العزمِ الصَّادقِ والإرادةِ الصَّلبة، ولا هوَ بغريبٍ على مدينتِنا الجميلةِ التي عرفها النَّاسُ وعلمُ البلدانِ بأنَّها بوابةُ مكةَ ولا بدَّ لها أنْ تقبسَ شيئاً كثيراً منْ طهرِ الحرمِ وبركتِه.
أحمد بن عبد المحسن العسّاف-الرِّياض الأربعاء 15 من شهرِ ذي الحجَّةَ الحرامِ عام 1430